المنجي بوسنينة

158

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين

الوصف المجازي ، فالعلاقة بين المرأة والرجل لم تغادر مثواها الأثير عند خديجة الجراح عندما يكثر الرجل من علاقاته بالمرأة ، ويترك من تحبه أسيرة لقيود عشقها ، ثم تسعى جاهدة للخروج من هذا الأسر ، وقد دللت على هذا المبنى الواقعي للعلاقة بإشارات إلى مبنى استعاري من خلال حرارة العلاقة وبرودتها وانهمار الثلج والمطر والتجمد أو انقطاعه : « ما أرهب المسافة بين نقطة البداية ونقطة النهاية . . يجمد في عينيها كل شيء ، يتكاثر الثلج في الخارج يكللها على الرصيف وهي تغادر السيارة . . تقف فترة . . تستسلم إليه وهو يمحوها كتلة بياض ناصع . . يوشوش الصغار : عندما كنت مطرا شاركتني عيناك . تسره : عندما تتكاثر البرودة يغدو المطر ثلجا . . تدخل بيتها . . وتسحقها غربة كبيرة حتى الصقيع » . [ ص 120 ] . وجعلت القاصة الإهداء من هذه الوشوشة وهذا الإسرار تغليبا لعذاب المرأة من خذلان الرجل لها وخيبة الحب . غير أن المجموعة الأخيرة حوت قصصا جاوزت فيها المرأة الهموم النسوية إلى حد ما حين اعتنت بدواخل المرأة وتحليلها نفسيتها ووعيها للأوضاع الاجتماعية والإنسانية برفض أن تكون المرأة رقما ضائعا في قصتها « الرقم الضائع » فهي « طوال حياتها كانت تحاول أن تمتلك شيئا بين قبضة أصابعها ولا تجد إلا الفراغ . . فراغا رهيبا أحرقت معه سني عمرها الضائع . . هي المرأة الشرقية التي خلقت من فراغ قوقعة وتربت بين جدران قوقعة . . وشبت وعرفت الصبا والقوقعة تحنطها . . حتى في عمر النضج والمعرفة ما تزال تسبح في قوقعة ودوامة رهيبة من التساؤلات : علام حصلت كامرأة شرقية ؟ » [ ص 29 ] وختمت الجراح قصتها والسؤال ما زال مفتوحا : « إلا متى أظل رقما ضائعا بين الملايين » [ ص 43 ] . ووضعت خديجة الجراح روايتها الوحيدة « أرصفة السأم » بالاشتراك مع الشاعرة هيام نويلاتي . وتميل الرواية إلى الاشتغال على الهموم النسوية الناجمة عن الزواج والأوضاع الاجتماعية التي تندرج في مآل اضطهاد المرأة وافتقادها للحرية ، وتستخدم شيئا من التحليل النفسي الذي يتلاقى مع توصيف النمط الاجتماعي السائد الذي تبدو فيه المرأة منسحقة تحت وطأة الهيمنة الذكورية حين تصير المرأة إلى مجال إمتاع للرجل الغارق في الفسق والملذات والفساد . وتصور الرواية تعلق « ماريا » برجل اسمه « حبيب » الذي أوحى إليها بتقديره للمرأة ومكانتها في التقدم الاجتماعي ، بينما هو مخادع كاذب متلاعب بالمشاعر ومجالها الرئيس : المرأة ، على أنها متزوجة ، ويعمل زوجها تاجرا في لندن ، مما يضطر إلى السفر كثيرا ، وتصفه بمثل مآل أوصاف « حبيب » في النهاية ، فهو زير نساء ، لا هم له سوى ارتياد أماكن الابتذال ومطاردة النساء البغايا والمتاجرات بأجسادهن . وعمدت المؤلفتان إلى جعل العلاقة بالزوج لفظية عن طريق الرسائل ، أما العلاقة العملية فكانت مع الحبيب والعشيق « حبيب » الذي لطالما التقت به في الأماكن العامة وشبه الخاصة . وتقترب الرواية من دفق النجوى واسترسالها الحواري مع الذات والآخر داخل سيارة